المنتدى التعليمي التربوي الثقافي لدائرة سبدو ولاية تلمسان


    أقصوصة من تأليف أحمد اسماعيل اسماعيل

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin
    Admin

    عدد الرسائل : 294
    العمر : 34
    نقاط : 22187
    تاريخ التسجيل : 23/12/2008

    أقصوصة من تأليف أحمد اسماعيل اسماعيل

    مُساهمة من طرف Admin في الأحد يناير 04, 2009 11:43 pm

    ما إن مسست زر الجرس مساً قصيراً، حتى أصدر صوته داخل البيت رنيناً أشبه بالنباح، سحبت يدي كالمصعوق.. وانتظرت. تمنيت أن يمتد الانتظار بي زمناً لا نهاية له، لكنه لم يدم سوى هنيهات. كالعادة، وصلني وقع خطوات طفلتي المتعثرة يسبقها صوتها الرقيق وهي تلثغ (بابا.. باب. جاء..) إنها تميز صوت الجرس عندما أكون أنا من يقرعه، فتضرب الباب بكفيها الصغيرتين ضرباً خفيفاً في سعي منها لتسلقه وفتحه.. وهاهي قد عرفتني.
    (بابا..هات..) ظلت تلثغ مرددة كلماتها المبتورة التي أفهمها، كي أجيبها بكلمات مشابهة لها تفهمها هي أيضاً، ويطول حوارنا الممتع دقائق كنت أحسها أمتع وألذ الأوقات في حياتي، حتى تخف أمها لفتح الباب وقد علت وجهها ابتسامة عتب رقيقة، فأقذف ما خف وثقل مما أحمل، لأرفع طفلتي عالياً، فترفرف بين يدي كطائر فرح بالحرية، ثم أروح أقطف من ثغرها ووجنيتها وعنقها قبلات شهية ريانة، تطلق ما في أعماقها من كركرات وزقزقات مرحة تملأ جوارحي والبيت سعادة فائقة، ولا أكف عن هذه الملاعبة إلا بعد أن تجذبني أمها إلى الداخل، وتوصد الباب خلفنا، ثم تحشر وجهها بيننا لتشاكسنا، حينها فقط أكف وأنا أحاول التقاط أنفاسي المتلاحقة، بعدها أضم زوجتي إلى صدري وأرشف من ثغرها قبلة شوق معتقة.
    لم أدر كم من الوقت مضى وأنا وشيرين طفلتي على هذا الحال، هي تغمغم بكلماتها المعهودة خلف الباب، داخل البيت، تصفعه بكفيها الصغيرتين صفعاً رقيقاً أخذ يتراخى ويوهن، وأنا أمام الباب، خارج البيت، صامت كصنم منبوذ، أسمعها ولا أسمعها، وكأني بالباب بيننا قد استحال إلى ما يشبه الجبل، أو امتد كبحر.. ويا ليته صار كذلك، ليت الزمن يفقد ذاكرته ويتوه، ليت أمها قد أخذتها سنة نوم عميقة طويلة فلا تسمعها، كي تمل شيرين وترجع إلى لعبها أو فراشها، فأنا لن أستطيع لمسها أو مبادلتها نظرة خاطفة.
    (بابا..كا كا.. هات) يا إلهي!!، إنها لا تكف عن صفع الباب ومناداتي، ماذا أفعل إن فتح هذا الباب اللعين وأطل منه وجهاهما، وتخيلت نفسي فأراً يهرع إلى أقرب حجر أو صرصاراً يتسلل إلى بالوعة، فلا عين رأت ولا أذن سمعت، وكدت أصير كذلك، حيث راحت عيناي تبحثان عن جحر أو مكان ما أتوارى فيه.. ولكنني لم استطع. هاهي زوجتي قادمة، تغمغم معاتبة كعادتها، تدير مفتاح الباب، تبعد شيرين عنه، تؤنبها، تتمهلني، تعاتبني على تعليمي البنت هذه العادة، تفتح الباب بتؤدة وحذر، ثم تطل بوجهها الباسم منتظرة ما سأفعله مع شيرين كالمغلوبة على أمرها، وعلى الرغم من اندفاع شيرين نحوي وتشبثها بقدمي، وطلبها الملح أن أحملها، إلا أنني لم أوت بحركة ولم أتفوه بكلمة، وكأني بطيور العالم أجمع قد حطت على رأسي، ظللت مطرق الرأس وأنا أبصر شيرين تتشبث بقدمي، تتضرع بعينيها العسليتين الحلوتين لأرفعها عن الأرض وأطيرها عالياً كالعادة. قوتان هائلتان بدأتا تتجاذبانني حينئذ، واحدة تدفعني صوب شيرين لأضمها إلى صدري كي أمطرها بالقبل، أسمع ضحكاتها المغردة، لأروي ما بي من ظمأ ولهفة إليها، وقوة أخرى تكبلني، تشل يدي، فأقف جامداً لا ترمش لي عين خشية افتضاح أمري الذي ربما أحست به شيرين وأنا أقبلها، أو كشفته أمها حين أضمها إلى صدري، فتشم رائحة أخرى غير رائحتها تنبعث من فمي وجسدي، فأنا أدرك تماماً أية أنثى هي، وقتها ماذا سأفعل؟ وما السبيل إلى التبرير والخلاص؟؟. أمام الباب، ووجهاً لوجه، ارتسم الذهول وردة سوداء على وجهي الأم والطفلة وهما تبصراني صامتاً منكمش الجسد أسترق النظر إليهما بوجل على غير عادتي، ووجدتني، بعد أن فشلت في الفرار كفأر أو كصرصار وأنا خارج البيت، أمام الباب، أندفع داخل البيت، ونظراتهما الغريبة تسوطني وتحيلني إلى شيء لم أكنه قبل ذلك، وفي الداخل لم أتمدد كعادتي على الكنبة لتسرع شيرين إلى امتطاء صدري ريثما تنتهي أمها من إعداد الطعام، بل راحت نظراتي القلقة تبحث عن مكان أختبئ فيه، تدانت الجدران في الداخل وراحت تتداعى فجأة، اجتاحني الرعب وصار جسدي يرتعش كورقة صفراء تصفعها ريح صرصر. بدأ جسدي المرتعش يصغر ويتضاءل على نحو غريب، والجدران من حولي تستحيل إلى مرايا: مرايا مستوية ومحدبة ومقعرة، ومن الفزع لم أستطع إغماض عيني، وكنت أنى أيمم وجهي أجد في المرايا صرصاراً وحيداً يصغر ويتضاءل.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 11:06 am